عبد الوهاب الشعراني

615

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

وهي بين النّاس سحت » واللّه تعالى أعلم . [ الترهيب من ترك الإنكار على من ظلم أخاه من الفقراء وغيرهم ولو بسوء الظن : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نتهاون بترك الإنكار على من رأيناه ظلم أخاه من الفقراء وغيرهم ولو بسوء الظن به ، بل ننكر عليه وننصر المظلوم ويحتاج العامل بهذا العهد إلى سياسة تامة ، وإلا نسبه الناس إلى غرض مع ذلك المظلوم فيصير خصما للظالم ؛ ويخرج عن كونه ميزان عدالة بين الخصمين ، فيحتاج الأمر إلى شخص آخر ثالث يصلح بين الظالم والمظلوم ، ثم إذا رأى نفس الظالم ثائرة فليصبر عليه حتى تخمد نارها ، وذلك ليصغي إلى وعظه له فإن العبد إذا غضب ركبته نفسه هي وزوجها أبو مرة ، فيصيران راكبين عليه ، فلا يتكلم فيه إلا شيطان . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : من علامة ركوب الشيطان لخصمك أن تراه يتكلم بالكلام القبيح الذي ليس من عادته النطق به ، فإذا رأيت ذلك منه فاصبر على جوابه حتى ينزل الشيطان من على ظهره ، فإن أجبته قبل ذلك ضحك عليك الشيطان حين تظن أن الذي يكلمك هو أخوك . وسمعته أيضا يقول : يجب على من يصلح بين الناس إذا رأى نفس المظلوم ثارت ونفس الظالم خمدت أن يتربص ساعة حتى تخمد نار نفسه ، فربما لا يرضيه من الظالم إلا أكثر من حقه ، ومن سلك هذا المسلك مع الخصمين وطاوعاه استغنيا عن رواح بيت الوالي . واعلم أن من أقبح الصفات في الفقراء خصامهم بين الناس ، وتمزيقهم أعراض بعضهم بعضا ، وإن ادعوا أنهم تحت تربية شيخ كذبوا وشيخهم بريء منهم إلا أن يتوبوا ، وكذلك أقبح من كل قبيح خصام الظالم أو المظلوم لشيخه إذا لم يطاوعه على غرضه الفاسد ، ومن فعل ذلك مع شيخه مقته اللّه وطرده عن حضرات الصالحين ، وربما عوقب بتركه التوبة حتى يموت على أسوأ حال ، وهذا المقت قد عم غالب الفقراء في هذا الزمان فمقتوا وصاروا أبدانا بلا أرواح ، فاللّه تعالى يلهمهم التوبة من ذلك بفضله وكرمه إن شاء اللّه تعالى ، ويصبر شيخهم عليهم وعلى سوء أدبهم معه آمين . وروى مسلم والترمذي وابن ماجة مرفوعا : « يقول اللّه عزّ وجلّ : يا عبادي إنّي حرّمت الظّلم على نفسي وجعلته بينكم محرّما فلا تظّالموا » الحديث . وروى مسلم وغيره مرفوعا : « اتّقوا الظّلم فإنّ الظّلم ظلمات يوم القيامة » . وروى الطبراني مرفوعا : « لا تظّالموا فتدعوا فلا يستجاب لكم وتستسقوا فلا تسقوا وتستنصروا فلا تنصروا » . وروى الإمام أحمد بإسناد حسن مرفوعا : « المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ويقول والّذي نفسي بيده ما توادّ اثنان فتخاصما وتفرّقا إلّا بذنب أحدثه أحدهما » .